في مقاله (من يقف خلف الأسماء المستعارة) وضع أخي الشيخ إبراهيم السكران يده على الجرح الكبير الذي ينزف في كثير من منتدياتنا مع شديد الألم والأسف .
إنه جرح الإسفاف الذي ينخر في جسد الأخلاق عند أدنى خلاف أو نقاش ، وفي أي موضوع كان .
وإذا كان يُفترض في الحوار أن يقوم على قواعد وآداب جاءت أصولها في الكتاب وصحيح السنة ، وفصلها أهل العلم ، وطبقها الأئمة ـ خاصة أئمة أهل السنة ـ أمثل تطبيق ، فقد صارت هذه القواعد والآداب في كثير من حواراتنا ونقاشاتنا من قبيل العنقاء والخلّ الوفي ، وصرنا نطالب (فقط) بالأصول الأخلاقية "الواجبة" في مخاطبة الناس ، كل الناس ، والتعامل معهم ، وهي تمثل الأصل في ذلك ، كما في قوله تعالى : { وقولوا للناس حسناً } ، وقوله : { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } ، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء ) ، وقوله : ( إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة ) .
ما أشار إليه الشيخ إبراهيم حقّ ، بل هو بعض الحقيقة ، لكني أختلف معه ـ وكثيراً ما اختلف معه منهجاً ومضموناً ـ عندما نفى بإطلاق أن يصدر ذلك من بعض المتدينين وأن هناك من يفعل ذلك باسمهم لتشويه صورتهم ، كما أني لا أنفى أن يوجد من يفعل ذلك للغرض السيئ الذي يشير إليه .
غير أني أؤكد لأخي إبراهيم وجود ذلك عند كثير ـ وليس بعض ـ المتدينين مع الأسف ، أحياناً بسبب الجهل ، وأحياناً بدافع الغيرة مع الاعتراف بالخطأ ، وأحياناً بشرعنة ذلك واعتقاد فاعله أنه يُثاب عليه حيث يسوق لذلك أدلة لم يحقق مناطاتها !!
وحتى لا نخوض في الافتراضات يمكن لأخي إبراهيم أن يقف طويلاً عند مسألة "النعرة العصبية الجاهلية المقيتة" التي أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنها إحدى أربع من أمور الجاهلية لا تتركها أمته : ( الفخر في الأحساب، والطعن بالأنساب ، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة ) كما في الصحيح من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه .
ولأنه ليس معنى الحديث أن أمته كلها تقع في الأمور الأربع كلها ، وإن كان يمكن أن يقع ذلك ، وإنما أن كل واحدة من هذه الأمور ستظل ذات ظهور وفشوّ في أمته ، أي بما يعبر عنه اليوم : بـ( الظاهرة ) ؛ فإنه لا يخلو من إحدى هذه الخصال السيئة ـ أو منهن جميعاً ـ ملأ ولا مجتمع من هذه الأمة .
وبكل صراحة وتجرد : فإنه إذا كانت بلادنا قد سلمت ـ بحمد الله ـ من الاستسقاء بالنجوم والنياحة على الميت ، فإنها بُليت ـ مع الأسف الذي كررته كثيراً لفرط ألمي وتوجعي ـ بهذه العصبية الجاهلية : فخراً في الأحساب ، وطنعاً بالأنساب ، وهو في ( نجد ) بصفة أخص أوضح وأجلى ، بل سرى هذا الداء إلى محاريب العلم ، فابتلي به كثير من السلفيين لا يسلم منه إلا من رحم ربك ، فهو ظاهرة في صغار الطلبة وأحياناً في كبارهم (ممن عليهم الشرهة) ، تسمعه منهم جادين أو هزلين ، ومن أكثر من شيء عُرف به !!!
وإن من هذه الجاهلية ما أشرت إليه يا أخي إبراهيم من سخرية بعض السفهاء بلون الشيخ عادل وبشرته ، مع أن هذا ـ لو كانوا يعقلون ـ مع شدة حرمته ، خارج محل نزاعهم وخلافهم معه ، ومن يقع في ذلك فإن فيه ـ بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم ـ صفة من صفات الجاهلية.
بل لقد سرت النعرة الجاهلية إلى المجموعة البريدية للرجل الصالح الدكتور عبدالعزيز قاسم في مناسبات كثيرة منها مصطلح "المتسعودين" و"الطرش" ، ومن آخرها ما قرأته لأحد أعلام هذه المجموعة ممن له في الذب عن الحق والخير ومدافعة الأهوائيين جهد مشكور ، عندما وقع في سوأة الجاهلية دون أن يشعر ـ ربما ـ عندما أشار إلى الأصول غير العربية لبعض مخالفيه بل وخاصة محبيه !!!
وإني أعتقد أن لوجود النعرة الجاهلية في بلادنا أسباباً كثيرة ، من أبرزها سببان:
الأول: طبيعة المجتمع حيث إن وجود القبيلة وأعرافها في مجتمعنا وجود قوي ومؤثر جداً ، حيث يعتبر من أبرز مكونات وعي كثير من الناس ، وأحيانا هو المؤثر الوحيد ! الأمر الذي يجعلنا نراجع أنفسنا وألا تكون استجابتنا للشرع فقط لما أُشرب من أهوائنا منه .
الثاني : ضعف دور المؤسسات العلمية والدعوية التي لا تصرف لمعالجة مثل هذه القوادح العقدية ما تستحق من الجهد .
ومن العجب أن يتضافر كثير من طلبة العلم ـ مثلاًـ على إنكار فتوى الشيخ عادل في الغناء ـ وهو إنكار مبرر بحدوده الشرعية العلمية ـ ، ولا نسمع لهم ركزاً عندما يسخر بعض السفهاء من لونه وبشرته ، مع أن هذا أعظم نُكراً من ذاك ؟!
أكتب هذا وفي ظني أن البعض سوف يعلل هذا التعقيب تعليلاً جاهلياً ، وحتى لا يقع أخ لي في الإثم أجدني مضطراً وكارهاً إلى القول أن نسب كاتب الأسطر يعود إلى قبيلة معروفة ، لكني لم أمقت داء من أدواء الديانة كما مقت داء العصبية الجاهلية ؛ فإن من أبطأ به علمه لم يُسرع به نسبه كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم .
نقلاً عن مجموعة عبدالعزيز قاسم البريدية
http://groups.google.com/group/azizkasem?hl=ar