دفاعاً عن شباب الفيس بوك
أبو البراء
(صحوي سابق -مفسبك حالي)
على مدى يومين أو ثلاثة والنصائح تترى لشباب الفيس بوك في كلمات رقراقة عاطفية مؤدبة أبوية حانية كـ:
"أسلحة بيد ليبراليين"- ليس من المروءة ولا النبل ولا الأخلاق السوّية - الحور بعد الكور- حالات الإنتكاس - اليسار الإسلامي (وربي هذي تحفة)، بل ربما نسي التميمي أن هناك منظمة ماسونية يديرها إيراني متجنس اسرائيلي بدعم من الحوثيين تقف خلف هؤلاء-الخائن – الكاذب على رواية سعيد الغامدي – وغيرها من الكلمات الحلوة الجميلة....
وليت هذه المناوشات كانت على صفحات الفيس بوك، وبين هؤلاء الشباب المقصودين حتى يتمكنوا من شكر الناصحين كما ينبغي، والمجازاة بالمثل على الأقل ، إن لم يكن أفضل، فإنه مما يميز شباب الفيس بوك أنهم أصبحوا لا يترددون في إظهار قناعاتهم وأفكارهم حتى لو كان ذلك على حساب مصالحهم الإجتماعية، لا كما يفعل البعض حين يقولون شيئا في مجالسهم الخاصة ، ويلبسون قناعا آخر للناس ..
كل ما أحببت قوله (إن عبرت هذه الرسالة) هو: يا عبدالعزيز قاسم لقد أبكيتنا وهطلت الدموع مدرارا مدرارا على تلك الأيام الخوالي، كانت رسالتك عاطفية مررررة "تبكي" كل من كان له قلب صحوي أو ألقى الدمع على كثبان النفود في رحلة ختامية، والشيخ يخرش لحيته ويبتسم أن قد تمكن حبه من شغاف قلوب الصبية..
الكلام العاطفي الإنشائي لا يكفي، واجتزاء الصورة في جزئية بسيطة غير منصف، وعدم الإلمام بالظاهرة من كافة أطرافها يبقى ترفا فكريا وعبثا كتابيا لا يهتز له إلا الذين يتباكون على الماضي، ويشتكون من الحاضر لأنهم فقدوا الإحترام على صفحات الفيس بوك كما كانوا يتلقونه في مجالسهم السرية الخاصة..
نسيت أن أقول لك شيئا مهما يا سيدي، هل تعلم لماذا انفض الشباب من حول اللحى والشمغ والبشوت، وبدأوا يطعنون في عقولهم، ويلمزون آراءهم، ويسفهمون غرائبهم؟ هل تعلم؟ دعني استعير المفردة التراثية "وأصف لك الوضع ، أجليه لك كما أراه"، إن المجتمع الذي منح المشائخ والعلماء ثقته المطلقة ردحا من الزمن لم يجنِ منهم سوى الفراغ والفراغ الكبير، لقد قسموا المجتمع إلى ألف فسطاط وفسطاط، فشيعة وسنة، واسلامي وليبرالي، واخواني وسروري، وسلفي وغير سلفي، وقبيلي وخضيري، وقضايا تكافؤ النسب المدعومة قضاء دليل صارخ على بعض ما أقول، لقد قسموا مجتمعنا وصنفوه، وجزأوه، وهم يجرجرون "بشوتهم الذهبية" ويعتلون منابر التأثير يحذرون من بعضهم البعض. تصدق يا أخ عبدالعزيز أن أحدهم حين أراد دعاية لبرنامجه لم يجد أفضل من البدء بهذه الصراعات أو الصرعات ليصوغ منها دعاية قوية لبرنامجه...
إن الصحوة التي تعنيها ياقاسم هي تلك التي "يوشوش " فيها الشيخ الإخواني لأصحابه في استراحة يوم كامل ، وبالمناسبة هو أحد أعضاء هذه المجموعة الغراء، ومن الذين تداخلو على الموضوع- لقد أفنى ما يقارب ست ساعات يحذرمن شرور السروريين -التيار الإسلامي الآخر- ويصف كذبهم، وتزويرهم لانتخابات ما، ويصمهم بالكذب، والرياء، وهلم جرا و جرجرة في عالم الاختلاف الصحوي القميئ، واخلاق العلم التي نخلعها كالحذاء عند أقرب مفترق طرق، وصورنا الخارجية تنضح وطنية وحرصا على اللحمة المجتمعية ونحن نقطع أوصاله بسكاكين التصنيف، وسهام الجلسات السرية الكاذبة. .
إن الصحوة يا قاسم جعلت المجتمع يترك قضاياه الكبرى، وهمومه اليومية وأصبح في حيص بيص، فهل المرأة ترضع السواق من "حلمة" صدرها، أم في كوب، وهل يجوز وضع سكر زيادة إذا لم يناسبه الحليب؟ ماحقيقة دخول الجني في الإنس؟ وكيف يدخل ومتى يخرج؟ وماحكم الجني الذي يجامع امرأة وينجب منها؟ العرضة السعودية ، ما حكمها ومدى ملاءمتها للمواصفات السعودية؟ هل يجوز للأسود أن يقول برأيه في مجتمع قبلي وهو مجرد قارئ؟ أم أن الفوزان "راح يصكه فتوى " تجيب خبره؟ والآخر هناك –في بريطانيا- عتبان على الآراء الأخرى، ويكتب مقالات تنضح طعنا وهمزا ولمزا وتعريضا وتصنيفا، ويعيد رسم دوائر أهل السنة بما يناسب مقاس خمسة من الشباب، وأحدهم بين عشية وضحاها ينتقل بين تخصص الشريعة إلى هندسة معمار ليقضي اسبوعا يوضح للناس أن لا يقصد هدم الحرم، بل هي دراسة هندسية من لدنه، فيها تداخلات و"تخارجات"، وياعيني على المعمار الإسلامي....
لا أدري كيف يُطالب الشباب المتكدس خلف شاشات الحاسوب بالتخلق بالأدب مع العلماء، -والجميع أصلا أصبح داخل هذه الدائرة- بينما لا نطالب العلماء أنفسهم بالتواضع مع بعضهم، بالأدب في ردودهم، بالخلاف الراقي، والردود العملية المهذبة..
إن هؤلاء الشباب يا قاسم لم يجدوا من هؤلاء المشائخ الكنف الرحيم الذي يحتوي جرأة اسئلتهم، وعطش فكرهم، ونهمهم للتزود بإجابات لقضايا كبرى تشغلهم ، ربما حتى في عقائدهم، أتدري ماذا فعل بهم المشائخ؟ لقد حاولوا جهدم ليسكتوهم، وتجاهلوهم، ووصموهم بأوصام الصحوة الكثيرة، "الساقطون، المنتكسون، المذبذبون، أصحاب الأهواء، طلاب الشهرة" وأظنك تعرف بقية القائمة، فماذا ينتظر هؤلاء منهم؟ هل يريدونهم أن يعودوا معتذرين أن أزعجوا جناب المشائخ الحركيين عن برامجهم، وأهدافهم الكبرى التي من أجلها يقيمون لقاءاتهم الخاصة، وتصنيفاتهم المتعددة، ويتربعون على سدة القيادة الفكرية والفعلية... اعرف ان البعض سينكر هذا الكلام، ولكن الذي يعرف صدق هذا يشعر به في قرارة نفسه....
تخيل يا قاسم أن البعض خسر دراسته، وأفنى عمره في غمرة مايسميها المشائخ صحوة، ولما تنكبت لهم الدنيا وفصلوا من جامعاتهم، بدأوا يبحثون عن لقمة عيشهم في أضيق الدروب، بينما حين يُفصل أحد المشائخ تأتيه الدنيا من أوسع الأبواب، فيتزوج الأربع، ويبني البيوت، ويقتني السيارات، فكيف بالله نقنع هذا التابع الذي ابتلع الطعم، وعاش مصدقا لمفردات التضحية ، وبعض المشائخ لا يقبل بالتنوع إلا في سرير النوم....
إن هؤلاء الشباب البسطاء سافروا وساحوا في الأرض ورأوا كيف يعترك المثقف الغربي مع مركز دراساته وأبحاثه ليطور مجتمعه، وكيف يضحي بنفسه، من أجل قضايا الحرية والعدالة، إنهم –هؤلاء الشباب- يستمعون كل يوم في إذاعات وتلفزيونات تلك الدول، وكيف يجرجر الوزير والكبير إلى ردهات المحاكم لبضع دولارات اختلسها أو برامج أفشلها، بينما يطالع صحفنا ليجد صور المشائخ تتقدمها، يسفهون من يقول بضرورة المدنية والتحرر من الفساد، وينعتون الديموقراطية بأبشع الصفات، والأدهى لايقدمون خطوة واحدة لحل الوضع الفسادي البشع ...فماذا يريد هؤلاء من الشباب غير تفريغ قهرهم على صفحات الفيس بوك...
إن العالم والشيخ الذي ينبغي أن يحترمه الناس هو الذي يتعالى على حظوظ النفس ويتخلق بأخلاق الكبار، ويقوم بدوره المنوط به في التصدي لكل مظاهر الفساد الكبرى ابتداء بسرقة المال العام، وليس انتهاء بالقضاء على قضاة المخططات ، وليس الذي يود لو أرسل مخالفه إلى سوق الخضار..إن الشيخ الذي ينبغى أن نغض الطرف حياء له هو الشيخ الذي لا يجيد لعبة حجّر لي واحجر لك، أما من لا يحترمون بعضهم ولا يقدرون مخالفهم ولايراعون مصالح مجتمعهم، ولا يأخذون عبء الاصلاح الحقيقي، فهؤلاء تخفيف ورحمة...
قبل أن اختم يا قاسم، هل بودك أن تعرج في الفيس بوك على صفحات المشائخ الفضلاء، الذين ذهبوا هناك يجرجرون "دالاتهم"، و"فضيلاتهم"، وأصبحوا يمارسون الفوقية والغرور في ردودهم، وعباراتهم تنضح احتقارا للمخالف القريب، ناهيك عن البعيد، وعباراتهم كلها تتمحور حول التنوير والتثوير، والتخدير، و"بيني بينك" ترى بعضهم مسوي منفتح، ولديه شلة بنات ياخذون ويعطون حول قضايا الفكر والثقافة والمجتمع فنفع الله بهم...
وعلى صفحات الفيس بوك تسقط كل الأقنعة....
أبو البراء (صحوي سابق - مفسبك حالي)
http://groups.google.com/group/azizkasem?hl=ar