وزارة المالية ومحكمة جدة!
محمد بن علي الهرفي
أعجب أحيانا من بعض الأخبار التي تستعصي على الفهم، ومنها ما نشرته «عكاظ» يوم السبت 14 رجب 1431هـ من أن وزارة المالية رفضت اعتماد مبلغ خمسة عشر مليونا لصالح تأثيث محكمة جدة وإنهاء بعض المتعلقات الفنية والإدارية.
وبحسب الخبر فإن هذه المشكلة أكملت ثماني سنوات من عمرها الذي نرجو أن لا يكون مديدا، وأن السبب أن ممثل وزارة المالية قال بالفم المليان: الوزارة ليس لديها اعتمادات مالية، وزيادة على ذلك فقد رفض الممثل التوقيع على المناقصة مع إبداء تحفظه عليها.
اللافت للنظر أن الادعاء يرى بأن وزارة المالية لا تستطيع توفير مبلغ خمسة عشر مليونا بغض النظر عن كونه يجب أن يكون ضمن ميزانية وزارة العدل أم من وزارة المالية إذ
لا فرق بين الأمرين لأن المصدر في الأصل واحد والمصلحة ــ أيضا ــ واحدة فهي للوطن أولا وأخيرا.
هل يمكن لأي مواطن أن يصدق ذلك الادعاء ؟! وهل يمكن لأي مواطن أن يتفهم سبب تعطيل استلام مرفق حكومي في غاية الأهمية بسبب ذلك الادعاء الذي لا يمكن تصديقه؟!
المحاكم ــ في أي بلد ــ هي رمز الحق والعدل والمساواة، وهذه مصطلحات تتفاخر بها الشعوب والحكومات، ومن أبسط الحقوق لهذه المحاكم أن يكون مظهرها لائقا بمن يعمل فيها وبمن يتعامل معهم.
وأستبعد تماما أن يكون ممثل وزارة المالية الذي رفض التعامل بمرونة مع موضوع محكمة جدة لا يعرف واقع هذه المحكمة، بل أستبعد تماما أن يكون معالي وزير المالية وأركان وزارته لا يعرفون وضع معظم المحاكم وكتابات العدل في المملكة.
كثير من المحاكم مستأجرة خاصة في المدن الصغيرة، ومثلها كتابات العدل والمباني المستأجرة ــ عموما ــ لا تصلح لتلبية المطالب الأساسية لمن يعملون فيها أو يترددون عليها.
ولعلي أطلب من كبار موظفي المالية أن يزوروا عددا من المحاكم وكتابات العدل ليستطيعوا تكوين فكرة حقيقية عنها !! لينظروا إلى مكاتب القضاة وموظفيهم.. ومثلهم كتاب العدل وموظفيهم.. لينظروا إلى الأماكن المخصصة لانتظار النساء.. وإلى نوعية الأماكن المخصصة لانتظار الرجال.. لينظروا إلى دورات المياه.. وإلى مواقف السيارات والمصاعد.
أجزم أنهم سيغيرون مواقفهم إن فعلوا ذلك.. ولكن متى سيفعلون؟! معالي وزير العدل أعلن عن نيته تنفيذ عدد من المباني العدلية يقترب عددها من الثلاثين، وقال: إنها ستنفذ على أحدث الوسائل المعمارية.. وقال الوزير أيضا: إن هذه المباني سوف تكون من أفضل الصروح العدلية تأسيسا وتجهيزا على مستوى العالم !! هذه الوقفة وقفت عندها كثيرا.. وقلت: إذا كانت وزارة المالية عطلت مشروع محكمة جدة بسبب خمسة عشر مليونا فهل ستدفع مئات الملايين لتكون مباني المحاكم ومتطلباتها أفضل مثيلاتها في العالم؟! وعلى طريقتنا ــ أحيانا ــ أقول: «الله يعطيه على قد نيته»..
أرجع إلى الحديث عن وزارة المالية التي أشرت في بداية مقالي إلى أن بعض تصرفاتها تستعصي على الفهم، فأعرف ــ أحيانا ــ أن الوزارة لا تسهل إكمال بعض المباني الحكومية لجهة حكومية تكون مستأجرة للمبنى بمبالغ كبيرة أكثر مما قد تصرفه المالية على المبنى الحكومي، مع أنها لو فعلت ذلك لو فرت المال وأراحت بعض موظفي الدولة وسهلت لهم القيام بعملهم بصورة جيدة.
ومثلها اعتماد الوظائف، فكثير من الأماكن التي أزورها وألاحظ تأخير العمل فيها وأسأل عن سبب ذلك فتكون الإجابة دائما: إن وزارة المالية ترفض اعتماد وظائف لهذا الجهاز وهذا هو السبب في تراكم العمل.
أقول: هذا ما يتردد دائما على ألسنة المسؤولين حيث تكون وزارة المالية هي المسؤولة دائما.
وأخيرا.. هل من حق قضاة جدة إقامة دعوى ضد من تسبب في تأخير انتقالهم إلى مبناهم الجديد؟!.
* أكاديمي وكاتب
عكاظ